الاثنين، 25 أبريل 2011

فعلا والله تسلم ايد الكاتب صاحب المقال ده


اخشـــوشـــنوا.. ماذا فعلت حكومة «الأيدى المرتعشة» فى مصر خلال 50 يوما.ً. وعد السلفيين بحل أزمة "كاميليا" وإهدار 2 مليار بسبب الخوف من رخص الحديد والصمت على مظاهرات المدرسين فى لجان امتحان الكادر

الأحد، 24 أبريل 2011 - 23:10
الدكتور عصام شرفالدكتور عصام شرف
محمد الدسوقى رشدى - نقلاً عن العدد الأسبوعى
الفرق بين القوة والبطش واضح بالضرورة، ولا يحتاج إلى تعريف.. القوة تصنعها القوانين، والبطش أمر قائم على تحطيم القوانين وتجاوزها، واستغلال سذاجتها وثغراتها فى بعض الأحيان، القوة أمر قائم على تحقيق العدل ونصرة المظلوم وفرض المساواة، والبطش لعبة من ألاعيب تحت الترابيزة، هدفها الإطاحة بكل هذه الأشياء، وبناء على ماسبق يبقى الفرق أيضا شاسعا وواسعا بين الدولة القوية والدولة الباطشة.


الدولة القوية تستمد قوتها من تطبيق مواد دستورها وقوانينها على الوزير قبل الغفير دون استثناء أو تلاعب من أجل هدف واحد فقط، هو ضمان حق المواطن فى حياة كريمة عادلة، ودولة البطش هى التى تلوى عنق القوانين والدساتير، وتتلاعب بثغراتها وتحول القانون من أداة لإنصاف المواطن إلى خلاط يطحنه من أجل هدف واحد تدعيم أركان نظام سياسى يضمن بقاء شخص واحد فقط على كرسى الحكم.


قبل 25 يناير لم تكن مصر دولة مؤسسات قوية كما كان يروج إعلام نظام مبارك أو مبارك نفسه، لأن الدول القوية لا تسقط أجهزتها مثلما يسقط الذباب مع أول «بخة» بيروسول، أو أول ضربة من مضرب الحشرات الشهير فى البيوت المصرية، دولة النظام السابق كانت دولة بطش لأنها وضعت القوانين فى خدمة مبارك وخدمة، بقائه على الكرسى فقط، لأنها حولت القانون من أداة لضمان الحقوق إلى طفاشة يفتحون بها خزائن مصر، وسنجة يهتكون بها كرامة المصريين، انظر إلى الطريقة التى تم بها استغلال قانون الطوارئ، أو تلك التى تم من خلالها التعامل مع قوانين تخصيص الأراضى، وستعرف أن دولة مبارك كانت دولة بطش لأنها اغتصبت القوانين، وأنجبت منها أجنة مشوهة وغير شرعية، برروا من خلالها سرقتهم للبلد، وطول بقائهم كاتمين على أنفاسها، وللأسف تم كل ذلك خلف ساتر المفهوم البراق.. مفهوم الحفاظ على هيبة الدولة وسيادتها..


هل تذكر كيف كان يقوم رجال الإعلام باستخدام مصطلح هيبة الدولة لتبرير قمع المظاهرات، واعتقال الأبرياء؟، هل تذكر كيف كانوا يستخدمون مصطلح هيبة الدولة كحائط صد ضد أى أصوات تناديهم برفع أيدى الأجهزة الأمنية عن الحياة السياسية، أو التراجع عن قرارات خاطئة من تلك التى كان يذهب ضحيتها آلاف المواطنين مثل قرار إنشاء محافظتى حلوان وأكتوبر، أو القرار الشفهى بمنح الحزب الوطنى الأغلبية فى البرلمان الأخير؟


لاحاجة لأن تستدعى من ذاكرتك أى شىء يذكرك بهذا الاستغلال السيىء لمصطلح هيبة الدولة، لأن حكومة الدكتور عصام شرف سقطت فى نفس الفخ أو أسوأ قليلاً، وتحديداً فيما يخص ملف أزمة قنا، وعدد آخر من الملفات السياسية والاقتصادية، بداية من التيار السلفى وأهالى سيناء والمظاهرات الفئوية وحتى ملفات الشرطة والأمن، ورخص الحديد وعقود الموظفين المؤقتة.


كيف ضاعت هيبة الدولة؟
إن كان نظام الرئيس المخلوع مبارك أهدر هيبة الدولة، لأنه استخدم الوجه الآخر للمفهوم الذى يحول المصطلح إلى كلمة حق يراد بها باطل، وأداة بطش تستمد قوتها من مصادرة الحرية وقمع الجماهير بدلاً من كونها أداة سيادة للوطن، تستمد قوتها من احترام ودعم المواطن نفسه، فإن حكومة الدكتور شرف أو المجلس العسكرى أهدرا هيبة الدولة، حينما تعاملوا بكل هذا الارتخاء والضعف مع صراخ المواطنين، ومطالبهم غير القانونية فى بعض الأحيان، ومن قبل ذلك حينما نحّوا القانون جانبا وتخيلوا أنهم بالكلام المعسول، وتكرار وترديد هتافات الثورة، ودعمهم لها، قادرون على أن يديروا البلد أو يضحكوا على ناس هذا البلد.


احترام الدكتور عصام شرف وحسن نواياه وكفاءته واحترامه للثورة وشبابها شىء نحترمه ونقدره ونشكره، لأنه قدم لنا نموذجاً فى تواضع المسؤولين، كنا نبحث عنه منذ أزمان، ولكن يبدو هذا الأمر شيئاً مختلفاً ومنفصلاً تماماً عن النظر إلى أداء الدكتور عصام شرف، كرئيس لوزراء مصر فى تلك الفترة المختلفة والخطيرة، كان الدكتور شرف ذكيا بشكل كاف، لأن يطرق باب جلوسه على كرسى رئاسة الوزارة من باب ميدان التحرير، وذهب إلى هناك معلناً أن شرعيته ستكون من الميدان، ولكن يبدو أن حمله على الأعناق والهتاف باسمه، وحالة الاحتفاء الإعلامية بما فعله الرجل، جعلته يسير فى طريق غير تلك الطرق التى ترسمها الثورات أو التى تفرضها طبيعة الأوضاع الخطيرة التى تعيشها مصر.


وبدلاً من أن يسارع الدكتور شرف إلى لم شتات الدولة المتبعثرة، ويعيد لها هيبتها المفقودة بفرض القانون وتطبيقه حتى آخر نفس، توقف الزمن به عند بعض اللقطات الإنسانية غافلاً عن أن مصر فى تلك المرحلة لا تحتاج إلى رئيس وزراء يبكى على الشاشات، مثلما حدث فى العاشرة مساء، مهما كانت الكوارث، ومهما كانت مشاعره فياضة وأحاسيسه جياشة، بقدر ماهى فى حاجة إلى رئيس وزراء يظهر قوته وحزمه وحسمه، حتى تعود فئران البلطجة إلى جحورها ويعرف المتلاعبون أن قبضة الدولة الجاهزة لدهس المخالفين للقانون لم تتحطم، وجاهزة للدفاع عن الوطن والمواطنين والثورة فى وجه البلطجة والفاسدين، والرغبة فى إشعال فتيل الثورة المضادة.


تصرف الدكتور شرف بنعومة لا تصلح لتلك المرحلة، وسعى لإرضاء الرأى العام وشباب الثورة أكثر من سعيه لتطبيق القوانين، حتى طمع الرأى العام فيه واستضعف الدولة، ولم يرد طلبا أو نقداً لشباب الثورة حتى ولو كان غير منطقى، أو تدخلاً صريحاً فى عمله، حتى استضعف الشباب وزارته ووزراءه، وبدلاً من أن يقدموا لهم أفكارهم كاقتراحات أصبحوا يقدمونها كأوامر.


تهاون الدكتور شرف فى التعامل مع بعض أنواع الاحتجاجات الخارجة عن النص، بغية إرضاء الرأى العام، وتقبل مظاهرات، وأعلن أنه سينظر فى طلبات كان من المفترض أن يلقيها فى وجه أصحابها منذ اللحظة الأولى، إما لأنها مخالفة للقانون، أو لأن الوقت ليس وقتها أبداً حتى طمع فيه الكل، وضاعت معه هيبة الدولة التى حاول أن يرفعها سلاحاً لكى ينقذه من ورطة أحداث قنا، فوجدها أضعف من أن تنجده بعد أن أضاعها هو، حينما سمح لرغباته ورغبات وزرائه فى إرضاء الشارع والمتظاهرين أن تتجاوز القوانين والأعراف، مثلما حدث فى تظاهرات موظفى الآثار الذين تظاهر المئات منهم من أجل إعادة وزارة الآثار ووزيرها زاهى حواس، واستجاب رئيس الوزراء بعد أول يوم تظاهر، رغم أنه كان صاحب قرار إلغاء الوزارة قائلاً إنه لا حاجة لها، هذه الاستجابة أو الخضوع الفورى جعل من رئيس الوزراء مطمعا،ً فخرج السلفيون يتظاهرون من أجل كاميليا شحاتة، وبدلاً من أن يصرخ فى وجههم، أو ينصحهم بأن مصر ووضعها وثورتها أهم من كاميليا شحاتة، استقبلهم بل وقدم لهم وعدا بحل أزمة هو يعلم يقينا أنه لا يملك سبيلاً لحلها، وبنفس الضعف تعامل الدكتور شرف مع وفد شباب الثورة الذى التقى به، وبدلاً من أن يحفظ مكانة رئيس الوزراء المصرى، نزل إلى الشارع يستقبلهم بنفسه، ليضع وزراءه فى مأزق حرج، ظهر جلياً فى لقاء اللواء منصور العيسوى ببعض شباب ائتلاف الثورة الذين طلبوا منه فيما يشبه الأمر ضرورة الاجتماع بهم دورياً للاطلاع على قراراته قبل إصدارها.


رغبة رئيس الوزراء فى إرضاء الرأى العام انتقلت بالتبعية إلى وزرائه كما قلنا، ومنهم إلى العاملين فى تلك الوزارات، ووضح أثر ذلك على الشارع المصرى، يعيش فى فوضى مرورية لأن ضباط الداخلية تركوا السيارات تركن صف ثالث ورابع، وتسير عكس الاتجاه، وتتجاوز السرعات لأنهم لا يريدون إغضاب الشارع، ومثلما حدث فى وزارة الداخلية، حدث فى وزارة التعليم التى لم تتخذ أى موقف حازم وحاسم ضد المدرسين الذين تظاهروا داخل لجان امتحانات الكادر، ومزقوا أوراق الأسئلة فى مخالفة واضحة وصارخة للقانون، وهو نفس الأمر الذى تكرر فى الجامعات المصرية التى شهدت حالة من قلة الأدب، تجلت فى تعرض بعض الأساتذة للضرب، وتجمهر الطلاب من أجل تسيير العملية التعليمية على مزاجهم، ومع ذلك لم يتخذ رؤساء الجامعات أو وزير التعليم أى رد فعل تجاههم.


رخص مصانع الحديد ضحية الخوف
أصبحت أيدى وزراء حكومة الدكتور شرف مرتعشة، وغير قادرة على اتخاذ القرارات خوفاً من رد فعل الرأى العام، حتى ولو كانت الرؤى الاقتصادية والسياسية والمواقف القانونية لتلك القرارات سليمة وصحيحة، ومايحدث فى وزارة الصناعة فيما يخص أزمة تراخيص مصانع الحديد دليل واضح على ذلك، مصر معرضة لأن تخسر استثمارات بقيمة 2 مليار جنيه، بعد إحالة ملف رخص مصانع الحديد الجديدة لإدارة الفتوى بوزارة الصناعة، بعد أن صدرت هذه التراخيص فى 17 يناير الماضى لمصانع «المراكبى للصناعات المعدنية» فى السادس من أكتوبر، و«بورسعيد الوطنية للصلب»، و«حديد المصريين بالمنيا» و«الوطنية للصلب» بأسيوط، والغريب فى أمر التعطيل هذا، أن موقف تلك الرخص القانونى والاقتصادى طبقا لتصريحات المسؤولين والفقهاء سليم، وبدلاً من أن يصدر وزير الصناعة المهندس سمير الصياد قرارات بتمرير تلك الرخص وتجاوز النقطة الروتينية الخاصة بأن هذه الشركات تجاوزت فترة السماح الخاصة بسداد قيمة الرخص والتى استمرت من 17 يناير إلى 17 فبراير، أى فى عز أحداث 25 يناير التى شهدت حالة شلل كامل فى البلاد، رغم استعداد هذه الشركات للدفع فوراً، إلا أن هناك حالة من التعنت مرجعها الوحيد أن المسؤولين فى وزارة الصناعة، يخشون أى اتهام غير موثق بمخالفة القانون، وهو مايوضح أن الخوف والرغبة فى إرضاء الشارع قد تؤدى بنا إلى كوارث وخسائر لسنا فى حاجة إليها الآن؟


نعومة الدكتور شرف فى التعامل مع تلك الملفات المخالفة للقانون، جعلت وزارة الأوقاف أعجز وأضعف من أن تدافع عن مساجدها التى تم الاستيلاء عليها من جانب السلفيين بعد طرد الأئمة التابعين للوزارة والدولة دون أن يحميهم أحد، وهو نفس الضعف الذى بدا على الشركات الحكومية ووزارة المالية التى استجابت لضغوط الموظفين بعقود مؤقتة، وقامت بتثبيتهم قبل حتى أن يدرسوا مدى حاجة العمل لهم، أو مدى صلاحيتهم لهذا العمل، أو مدى تأثير تلك التعيينات على خزائن الدولة.


الوطن لم يشف من أمراض الماضى
حينما ذهب رئيس الوزراء إلى سيناء، تعامل بنفس المنطق، ووقف يحدثهم عن العيش والملح، وفخره بالجلوس فى حضرتهم، وعن ابنه الذى بكى من أجل أن يشاركه تلك الرحلة، وتكلم الرجل طوال الوقت مستعطفا، وأزاد وأفاض فى الحديث عن بطولات أهالى سيناء، دون أن يعى أن حديث رئيس الوزراء لابد أن يعتمد على أرقام وخطط وحقوق وواجبات.


وعود رقمية وليست عبارات العواطف، تفادى رئيس أكبر جهة تنفيذية فى مصر الصدام مع أهالى سيناء، ولم يسأل مشايخ القبائل عن حمايتهم للمطاريد، ولم يحثهم على دعم القانون بتسليم الهاربين؟، حتى المحافظ الذى قال فى كلمته أن كل مطالب أهالى سيناء واقتراحاتهم ستصبح قيد الدراسة الجدية، راح ضحية شرف الذى تمادى فى إرضاء أهل سيناء وبدلاً من أن يصدق على كلام محافظه، ويبدأ مناقشة جدية لتلك المطالب هتف قائلاً: عذراً ياسيادة المحافظ هذه ليس مطالب بل أوامر سننفذها فوراً ليحصل على موجة تصفيق وهتاف لا يعرف أنها بقدر ماستضيف إلى رصيده شعبياً، ستسحب كثيراً من رصيد هيبة الدولة وقوتها.


أزمة قنا ومحافظها تكشف بوضوح أن ماتم سحبه من رصيد هيبة الدولة بسبب نعومة الدكتور شرف ووزرائه فى التعامل مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتكشف أيضاً أن الحكومة التى اعتبرناها حكومة الثورة، ربما تكون هى الأخطر على الثورة الآن، فى أزمة قنا الخطأ منذ البداية كان عند الحكومة التى أجرت تغييرات المحافظين على نفس طريقة الماضى، وبنفس منطق نظام الرئيس المخلوع حسنى مبارك، وبدلا من بداية عهد جديد يعتمد على الكفاءة والشباب، اعتمدت الحكومة على نفس الخلطة القديمة، وجاءت بمجموعة من لواءات الجيش السابقين أضافت إليهم مجموعة من لواءات الشرطة، ووضعت فوقهم شوية أساتذة جامعيين لتحلية الطبخة، ثم ارتكبت الخطيئة الكبرى، حينما اعتمدت على مبدأ كوتة المناصب فى التعامل مع الأقباط، ولم يتعب أحد فى حكومة الدكتور شرف أو المجلس العسكرى فى أن يفكر فى تغيير مكان كوتة الأقباط، أو حتى عددها للإيحاء للناس بأن هناك تغييرا حدث وخصصوا المحافظ القبطى الوحيد لمحافظة قنا، كما كان يحدث فى الماضى.


اعترض أهالى قنا على تعيين المحافظ بحجج كثيرة، تحاول أن تخفى أن أصل الاعتراض دينى، بينما كان الدكتور شرف مشغولاً هو والوزراء فى الهتاف مع شباب الثورة، والصحافة مشغولة بالاحتفاء بصورة الدكتور وهو يتناول الفول والطعمية فى مطعم التابعى، ارتكبت حكومة الدكتور شرف الخطيئة الثانية، وتأخرت فى التعامل مع الأزمة، وضربت ودنا من طين وودنا مع عجين مثل النظام السابق بالضبط، ثم ارتكبت الخطيئة الثالثة حينما وضعت الملف فى يد اللواء منصور العيسوى، وكأنها تقول للناس إن شيئاً فى مصر لم يتغير، وستظل الملفات فى يد الأجهزة الأمنية، ومقابل تلك الأخطاء طور أهالى قنا من احتجاجهم، وأضافوا إليه أشكالاً غير قانونية، تمثلت فى قطع خطوط السكك الحديدية، وبعض أعمال العنف، اعتماداً على أن الدولة أصبحت أضعف من أن تنهى اعتصاماً أو تمنع احتجاجاً، واستناداً إلى الدكتور شرف الذى استجاب لضغوط الأثريين والسلفيين وشباب المتظاهرين فى ميدان التحرير، سيستجيب لاحتجاجهم، وحينما شعرت الحكومة أنها غرقت فى بحر من الإحراج، حاولت أن تستخدم هيبة الدولة كطوق نجاة، وحاولت وسائل الإعلام أن تساعدها بالعودة إلى الحديث عن هيبة الدولة ومكانتها، وضرورة احترام القانون، ولكن الوقت كان قد فات، لأن الدكتور شرف ووزراءه والمجلس العسكرى سحبوا من رصيد هيبة الدولة، ممايجعل الدولة أضعف من أن تواجه المتظاهرين فى قنا أو فى أى مكان آخر.


فى ملف قنا ارتكب الدكتور عصام شرف خطأ ظاهره وباطنه حسن النية، ولكنه يحمل فى وجهه الآخر سذاجة سياسية، ونعومة لا تصلح فى الوقت الحالى كما قلنا، تخيل الدكتور شرف أن زيارة يقوم بها لقنا يلقى فيها المزيد من كلمات المشاعر على الأهالى، وينزل ليجلس بينهم على الأرض، ويسير بينهم دون حراسة، قد تبهرهم بعصر مابعد الثورة الجميل، فنشر على تويتر رسالة تقول بأنه يطلب من أهل قنا أن يقبلوه ضيفا عليهم من أجل مناقشة الأزمة وحلها؟.. استخدم الدكتور شرف تويتر، غافلا عن أنه يكلم مئات المتظاهرين الجالسين على خط سكة حديد فى برارى مصر، وليس وائل غنيم وبقية شباب الثورة، ووضع نفسه دون أن يدرى فى مأزق سياسى ملخصه سؤال واحد هو ماذا لو رفض أهالى قنا الزيارة؟ وهو ماحدث بالفعل بعدما أعلنوا أن أى زيارة لن تحل الموقف، لأن الحل الوحيد هو رحيل المحافظ عماد ميخائيل، هل يعنى ذلك أن رئيس الوزراء سيكون محرماً عليه النزول إلى قنا؟ وهل يعنى ذلك أن رئيس وزراء مصر سيستأذن قبل زيارة مدن ومحافظات مصر لممارسة مهام عمله.. وماذا لو رفض أهل مدينة ما استقباله؟.


حكومة لا يراقبها أحد
نعومة الدكتور شرف وحالة الرخاوة التى يتعامل بها وزراؤه ليست هى أزمة تلك الحكومة الوحيدة، فنحن أمام حكومة لا يراقبها أحد، ولا تراقب هى نفسها، بدليل أن سقف تصريحات وزرائها دائما أعلى من قدرتهم أو على الأقل أعلى من التوقعات التى توحى بها الظروف التى يعيشها البلد، أو أعلى ممايحدث فى أرض الواقع، تلك الحكومة وعدت بحل أزمة الشرطة والبلطجة، ولم يحدث حتى الآن، ومازال انتشار الشرطة فى الشوارع ضعيفاً، وفشلت فى التخلص من الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء، ومن تصريحاته الفاشلة والمستفزة والمزعجة، وفشلت فى حماية الأراضى الزراعية من الانتهاكات، وانشغلت مثلها مثل رجل الشارع العادى فى الحديث عن مبارك وأولاده، وهل الرئيس السابق مصاب بالكحة أم الإسهال؟ وهل نام جمال على الأرض ولا على البورش؟، لتقع فى نفس خطأ النظام السابق، وتعتمد على الشعارات والتطمينات فى إدارة البلد بدلا من وضع خطة.. فلا هى، ولا المجلس خرجوا علينا بخارطة طريق واضحة أو سمعنا أنهم يعكفون على دراسة خطة مستقبلية أو مرحلية للأيام القادمة، فوضع تلك الخطط لا يحتاج إلى وقت كما يبرر البعض تأخر ظهورها، الحكومة كما قلنا تفعل مثلما يفعل رجل الشارع العادى بل وتشاركه فى استهلاك الوقت فى نقاشات كان يمكن أن تدور إلى جانب دوران عجلة الإنتاج، على أن يبقى السياسيون والقانونيون منشغلين بالتعديلات الدستورية والمحاكمات وغيرها، والعلماء منشغلين فى نفس الوقت بوضع الخطط المستقبلية والعلمية، لمصلحة البلد، لابد أن يقتنع الدكتور شرف بأن للدولة أنيابا لابد أن تظهر للدفاع عن القانون وحق المواطن، وليس لنهش لحمه كما كان يحدث فى الماضى، لمصلحة مصر لابد أن يؤمن المجلس العسكرى والوزراء ورئيسهم بذلك الأثر الإسلامى القائل: «اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم»، أو بمعنى آخر أظهروا القوة لأن رصيد المحبة وحماس الثورة الذى يمنح الناس بعض الرضا عن الأحوال المرتبكة لا يدوم، لمصلحة هذا الوطن.. لابد أن يقتنع الدكتور شرف ووزراؤه بأنهم ليسوا حكومة تسيير أعمال مهمتها إرضاء الرأى العام، وعدم الاصطدام به وإغضابه.


الاستسهال والاستسلام لمنطق تسيير الأعمال الذى ترفعه تلك الحكومة شعارا مع المجلس العسكرى هو الخطر بعينه، لأنه يفرض علينا جميعا أن نشاركهم هذا الاستسلام ونجلس واضعين الأيدى على الخدود فى انتظار الرئيس القادم حتى يضع الخطط وينظم الأمور، وأنتم تعلمون أن فترات الانتظار كلها ملل، وتعرفون أيضاً أن أصحاب أوقات الفراغ فى مصر ينصبون أنفسهم قضاة اعتماداً على المثل القائل «الفاضى يعمل قاضى»، وتشعرون أننا بالفعل نعيش الآن عصر الإفتاء، الكل يفتى بما لا يعلم، وفوضى الفتوى فى الحياة تصنع الانفلات والتطرف والتعصب وتعود بأصحابها عشرات الخطوات إلى الوراء مثلما تفعل فوضى الفتوى فى الدين تماماً.

الثلاثاء، 22 مارس 2011

النص الكامل لمشروع ممر التنمية للدكتور فاروق الباز


(الشروق) تنشر النص الكامل لمشروع ممر التنمية للدكتور فاروق الباز

آخر تحديث: الاثنين 21 فبراير 2011 10:35 ص بتوقيت القاهرة


باهي حسن -
 يحتاج التفكير في مستقبل مصر إلى بعد نظر، فلا يمكن أن يتغير الوضع الحالي بين عشية وضحاها، المهم أن يكون هناك مخطط يعمل على تحريك الشعور بالمواطنة في عقل وقلب كل مصري ومصرية، ينمو ذلك عندما يؤمن السواد الأعظم من الناس بأن قادتهم يعملون للصالح العام أولا وأخيرا، ويؤهل هذا الشعور، أن يؤدي كل فرد دوراً فعالاً في مخطط الإنماء، هكذا يجري إنماء الدول الغنية والفقيرة على حد سواء.

إذن يلزمنا إعداد مشروع يفهم مقصده كل الناس، له مخطط زمني محدد نعلم بدايته ونهايته ويستطيع كل فرد أن يرى فيه مكانا أو خيرا إما له شخصيا أو لأبنائه أو للآخرين، يجب أن يتيح هذا المخطط الاستخدام الأمثل لعقول الناس وسواعدهم وقدراتهم لكي يؤمن الجميع به ويشعر كل فرد بأن له دوراً مهماً في إنجاحه. بناء على كوني جيولوجياً جاب أراضي مصر ونجوعها وصحاريها، ويعلم بالممارسة أحوال معيشة الناس في المدن الكبيرة والصغيرة والقرى والواحات، كذلك أعلم الوضع الماضي والحالي بالمدارس والجامعات والمعاهد وما وصلنا إليه، وما يمكننا أن نصل إليه إذا ما تحسن وضعنا المعيشي وانفتحت آفاق التقدم والرقي. لقد أثبت تاريخ الأمم أنه منذ خلق الله الإنسان على الأرض ازدهرت الحضارة بين أي مجموعة من الناس إذا توافرت في مجتمعهم ثلاثة مقومات أساسية هي:

١- إنتاج فائض من الغذاء مما يجعل الناس تنمو أجسامهم قوية ومخيلاتهم خصبة والغذاء الجيد يمنح الصحة والعافية التي تؤهل إلى العمل المجدي.

٢- تقسيم العمل بين أفراد المجتمع تقسيماً مناسباً، ويستدعي ذلك ترقية أهل الخبرة والمعرفة وحسن الإدارة (وليس أهل الثقة) على جميع المستويات.

٣- تأهيل الحياة الكريمة في المدن بحيث لا ينشغل الناس فقط بالبحث عن قوتهم ويعيشون في بيئة صالحة لكي يتمكن البعض منهم من الإبداع والابتكار في عملهم، والإبداع في العمل هو أهم مقومات الحضارة والرقي.

إذن لن نحدّث مصر ونؤمن مستقبل أهلها إلا إذا تحسنت أوضاعنا بالنسبة إلى المقومات الثلاثة السابقة، لذلك فالحل الأمثل هو البدء في مشروع ممر التنمية في شريط من صحراء مصر الغربية يمتد من ساحل البحر المتوسط شمالاً حتى بحيرة ناصر في الجنوب، وعلى مسافة تتراوح بين ١٠ و٨٠ كيلومتراً غرب وادي النيل، يفتح هذا الممر آفاقاً جديدة للامتداد العمراني والزراعي والصناعي والتجاري والسياحي حول مسافة شاسعة.

أهمية النقل

يُعتبر النقل من أساسيات التقدم والازدهار على مر العصور، ونحن نعلم أن قيام الدولة المصرية القديمة منذ أكثر من خمسة آلاف عام اعتمد على النيل كطريق يربط شمالها بجنوبها، حيث كان ينتقل من خلاله الناس والأخبار والغذاء والمنتجات والبضائع ورجال الأمن وجامعو الضرائب وكل ما يمثل كيان الدولة وسر بقائها، كذلك اعتمد الإغريق والرومان والعرب على تسهيل وتأمين النقل في جميع أرجاء حضاراتهم، وفي العصر الحالي نَمَت أوروبا الحديثة بعد إنشاء شبكات الطرق السريعة فيها، وكذلك تفوقت أمريكا على باقي العالم الغربي باستخدام ثرواتها الطبيعية أحسن استخدام، مما استدعى إنشاء شبكة متميزة من السكك الحديدية والطرق الممتازة، الدائمة الصيانة في جميع أرجائها.

وبالنسبة لنا في مصر لا يصِح إنشاء شبكة طرق جديدة في وادي النيل والدلتا لأن في ذلك اعتداء على الأرض الزراعية المُعتدى عليها أصلاً، نتيجة النمو الكبير للكتل السكانية العشوائية وغير المُرخَص لها في أغلب الأحيان، هذه الأراضي الخصبة رسبها نهر النيل العظيم على مدى ملايين السنين، ولقد تكدس سكان مصر في مساحة محدودة منها نتيجة الزيادة المستمرة في عدد السكان، ولا يعقل أن نستمر في العيش على ٥% من مساحة أرضنا، مع الاستمرار في البناء فوق التربة الزراعية، لذلك فلا بد من فتح آفاق جديدة للتوسع العمراني والزراعي والصناعي والتجاري والسياحي خارج نطاق وادي النيل الضيق.

ويسعى الممر المقترح، إضافة إلى تسهيل النقل بين أطراف الدولة، إلى الحد من التوسع العمراني في وادي النيل والدلتا بفتح آفاق جديدة للنمو بالقرب من التجمعات السكانية الكبرى ومجالات لا حصر لها في استصلاح أراضٍ صحراوية وإنشاء مشاريع جديدة للتنمية في مجالات التعمير والزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، كما يُعطي الممر أملاً جديداً لأجيال المستقبل باستخدام أحد عناصر الثروة الطبيعية وأقربها إلى التجمعات السكانية الحالية، وهو الشريط المتاخم لوادي النيل في الصحراء الغربية.

لقد اُختِير هذا الجزء من الصحراء الغربية بُناءً على خبرة في تضاريس مصر وإمكاناتها التنموية، ويتكون الشريط المتاخم لوادي النيل من هضبة مستوية بميل بسيط من الجنوب إلى الشمال بموازاة النيل، ولا تقطع المنطقة أودية تهددها السيول كما هو الحال في شرق النيل، كذلك تتواجد مساحات شاسعة من الأراضي التي يسهُل استصلاحها لإنتاج الغذاء، إضافة إلى احتمالات تواجد المياه الجوفية، هذا الشريط بالذات تقل فيه الرمال ولا تتقاطع معه خطوط الكثبان الرملية.

دعائم الممر

بناءً على ما تقدم يتضمن مقترح ممر التعمير إنشاء ما يلي:

١- طريق رئيسي يعتبر المحور الأساسي للسير السريع بالمواصفات العالمية يبدأ من غرب الإسكندرية، ويستمر حتى حدود مصر الجنوبية بطول ١٢٠٠ كيلومتر تقريباً.

٢- اثني عشر محورا من الطرق العرضية التي تربط الطريق الرئيسي بمراكز التجمع السكاني على طول مساره بطول كلي حوالي ٨٠٠ كيلومتر.

٣- شريط سكة حديد للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي.

٤- أنبوب ماء من بحيرة ناصر جنوباً حتى نهاية الممر على ساحل البحر المتوسط.

٥- خط كهرباء يُؤمن توفير الطاقة في مراحل المشروع الأولية.


١- المـمر الرئيسي

يمثل الطريق العالمي من الشمال إلى الجنوب العنصر الأساسي لممر التعمير، يبدأ الطريق على ساحل البحر المتوسط في موقع بين الإسكندرية والعلمين، ويؤهل لإنشاء ميناء عالمي جديد يُضاهي الموانئ العالمية الكبري في المستقبل، وتُؤخَذ في الاعتبار الحاجة إلى توفير استخدام تكنولوجيا المعلومات الحديثة في التعامل السهل السريع مع الصادرات والواردات والبضائع المؤقتة.

يتكون الطريق الرئيسي من ثمانية ممرات على الأقل، اثنان لسيارات النقل واثنان للسيارات الخاصة ذهاباً وإياباً، كما يلزم تمهيد الطريق وفق المواصفات العالمية التي تسمح بالسير الآمن السريع دون توقف إلا في حالات الطوارئ ومحطات الاستراحة والوقود ومراكز تحصيل رسوم السير.

٢- المحاور العرضية

يشتمل المقترح على ١٢ محورا عرضيا يربط كل منها الطريق الرئيسي بموقع من مواقع التكدس السكاني في الدلتا وبموازاة وادي النيل، تسمح هذه الطرق بالامتداد العمراني غرباً في هذه المواقع رويداً رويداً وتضيف بُعداً جغرافيا لعدد من المحافظات التي تعاني من الاختناق في الوقت الحالي، ويجب ألا يُسمح إطلاقا بالنمو العشوائي في تلك المناطق، بل يجب أن يسبق التخطيط والتنظيم والخدمات النمو الحضري لها، وعلى سبيل المثال، تشمل المحاور العرضية المقترحة ما يلي:

محور الإسكندرية

يمتد هذا المحور من الطريق الرئيسي غرباً ليصل إلى مدينة الإسكندرية ومينائها ومطارها الدولي، ويمكن أن يستمر المحور شرقاً حتى طريق الدلتا الساحلي إلى رشيد ثم دمياط، وبذلك يربط هذا الفرع الطريق الرئيسي للممر بشمال الدلتا بأكملها.

محور الدلتا

لربط الطريق الرئيسي بمنتصف منطقة الدلتا ربما في مدينة طنطا، مثل هذا المحور يتطلب المحافظة على الأراضي الزراعية في مساره وربما يتطلب كباري جديدة على فرع رشيد وقنوات الري والصرف، والجزء الغربي من هذا الطريق يُرصف على صحراء قاحلة وقابلة للاستصلاح وتمثل بعدا جغرافياً جديداً لمحافظة الغربية أكثر محافظات الدلتاً اختناقاً على الإطلاق.

محور القاهرة

يؤهل هذا المحور ربط الطريق الرئيسي بطريق «مصر- إسكندرية الصحراوي» ثم بأكبر تجمع سكاني في قارة أفريقياً بأكملها، ألا وهو محافظة القاهرة، ويمكن لهذا الفرع أن يستمر شرقاً إلى المعادي ومنها إلى طريق السويس كي يربط الميناء الجديد بميناء السويس، ويؤهل ذلك نقل البضائع برياً من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر خليج السويس.

محور الفيوم

يضمن هذا المحور تنمية الصحراء في شمال وغرب منخفض الفيوم، ومنطقة غرب الفيوم بالذات يمكن تنميتها صناعياً لإبعاد الصناعات الملوثة للبيئة، مثل صناعة الأسمنت عن المواقع السكنية.

محور البحرية

ويهدف هذا الفرع إلى توصيل الطريق الرئيسي بالواحات البحرية في اتجاه جنوب غرب الجيزة، وبذلك يؤهل للربط بين واحات الوادي الجديد الشمالية والطريق الرئيسي، ويسمح الفرع بالتوسع في السياحة في منخفض البحرية.

محور المنيا

يفتح هذا المحور آفاقاً جديدة للنماء غرب وادي النيل في منطقة تكتظ بالسكان وتحتاج إلى التوسع في العمران نظراً لوجود جامعة بها، بالإضافة إلى الحاجة لعدد من المدارس ومعاهد التدريب.

محور أسيوط

يمكن إعادة كل ما قِيل عن فرع المنيا، إضافة إلى أن هذا المحور يؤهل السير على طريق الواحات الخارجة وباقي واحات محافظة الوادي الجديد.

محور قنا

يوصل هذا المحور إلى منطقة واسعة يمكن استصلاح أراضيها تقع جنوب مسار نهر النيل بين مدينتي قنا ونجع حمادي، وتكونت التربة في هذه المنطقة نتيجة لترسيب الأودية القديمة مما يعني أيضاً احتمال وجود مياه جوفية يمكن استخدامها في مشاريع الاستصلاح.

محور الأقصر

يعد هذا الطريق امتداداً غير محدود للمشاريع السياحية المتميزة فوق الهضبة وغرب وادي النيل بالقرب من أكبر تجمع للآثار المصرية القديمة في الأقصر.

محور كوم أمبو وأسوان

يعتبر هذا المحور سهلاً واسعاً يمثل مجرى قديما للنيل ولذلك تغطيه تربة خصبة صالحة للزراعة، ولأسباب جيولوجية بدأ مجرى النيل الهجرة شرقاً حتى وصل إلى موقعه الحالي، ولذلك يمكن استخدام المياه الجوفية المُختَزنة منذ قديم الزمن في استصلاح هذا السهل الخصيب، ويربط امتداد الفرع في اتجاه الجنوب الشرقي بينه وبين الطريق الرئيسي ومدينة أسوان، مما يسهل نقل المنتجات المحلية إلى المحافظات الشمالية علاوة على التنمية السياحية عبر تيسير زيارة المواقع السياحية في منطقة أسوان، إضافة إلى ذلك يؤهل الطريق تنمية مطار أسوان للتجارة العالمية.

محور توشكى

يهبط الطريق الرئيسي من الهضبة حيث يجري وصله بعدة أماكن حول منخفض توشكى، وجرى حفر قناة لتوصيل ماء النيل من بحيرة ناصر إلى منخفض توشكى بغرض استصلاح الأراضي المحيطة بالبرك التي تكونت في المنخفض، هذا المشروع يستدعي عدة سبل للنقل السريع إلى المحافظات الشمالية ومنافذ التصدير معاً.

محور بحيرة ناصر

تمثل بحيرة ناصر موقعاً متميزاً لتنمية الثروة السمكية وصيد الأسماك، خاصة إذا جرى تسهيل نقلها إلى مواقع التكدس السكاني في المحافظات الشمالية. لقد اختيرت هذه المحاور لقربها من مواقع التكدس السكاني وسهولة المرور بها من الناحية الطبوغرافية، هذا ويمكن إضافة محاور أخرى كما في دراسة أعدها متخصصون من وزارة التنمية الاقتصادية، وأفادت بإمكانية ثلاثة محاور إضافية.

يشتمل ممر التعمير المقترح على شريط سكة حديدية للنقل السريع بموازاة الطريق الرئيسي. تؤهل هذه الوسيلة نقل الناس والبضائع والمنتجات من جنوب مصر حتى ساحل البحر المتوسط لا سيما أن السكة الحديدية الحالية تُعاني من الكهولة. كما لا يصِح إنشاء سكة حديدية جديدة داخل وادي النيل؛ لأن في ذلك تعدياً على الأراضي الزراعية.

تؤهل السكة الحديدية للنقل السريع شحن الأسماك من بحيرة ناصر التي تزخر بالثروة السمكية إلى مواقع التكدس السكاني في شمال وادي النيل. كذلك تُمكّن الوسيلة من الاستخدام الأمثل في الصناعات العديدة كصناعة الألومنيوم في نجع حمادي، فتواجد السكة الحديدية الجديدة سوف يجعل النقل من الميناء إلى المصنع ثم نقل المُنتَج من المصنع إلى السوق يتم في سهولة ويسر وبتكلفة أقل، هذا بالإضافة إلى الحد من الزحام الناتج عن حركة الشاحنات على الطريق الزراعي الحالي.

أنبوب الماء

يلزم توفير الماء الصالح للشرب بطول الممر المقترح فوق هضبة الصحراء الغربية. يُفضل نقل الماء من بحيرة ناصر أو قناة توشكى داخل أنبوب لمنع البخر أو تسرب الماء في الصخور. ويشمل التخطيط لمشاريع التنمية المختلفة على طول الممر استخدام المياه الجوفية في الزراعة والصناعة، ولكن الحاجة إلى الماء للاستخدامات البشرية خلال المراحل الأولي للمشروع تتطلب توفير الأنبوب المذكور.

ربما يلزم المشروع خلال تلك المرحلة أنبوب قطره متر واحد أو متر ونصف. وهذا ليس بكثير لأن ليبيا قد أقامت النهر الصناعي العظيم لنقل الماء العذب من آبار صحرائها في الجنوب إلى مدنها على ساحل البحر المتوسط في أنبوب قطره أربعة أمتار وبطول ٢٠٠٠ كيلومتر. وكما هو الحال في ليبيا، بعد ضخ الماء إلى مستوى الهضبة يتم نقله من الجنوب إلى الشمال بالميل الطبيعي لسطح شمال أفريقيا.

خط الكهرباء

يلزم للمقترح إنشاء خط كهرباء للإنارة والتبريد على طول الطريق الرئيسي، وخاصة لأن مسار الطريق يمر في منطقة صحراوية لا تتواجد فيها متطلبات التنمية الأساسية، خلال المراحل الأولى للمشروع. في نفس الوقت يجب تشجيع مشاريع التنمية العمرانية والزراعية والصناعية والسياحية المُنَظمَة واستخدام مصادر الطاقة المستدامة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

مزايا المشروع

يلزم لأي مقترح لمشروع تنموي دراسة الآثار الجانبية له خاصة من الناحية البيئية، ولأن المشروع المقترح يقلل من تدهور البيئة في وادي النيل فهذا يعتبر إحدى مزاياه العديدة. الجانب الأساسي الذي يجب دراسته هو الجدوى الاقتصادية للمشروع، أي مدى نجاحه المؤكد من ناحية الاستثمار، وهذا يتم من خلال دراسة جدوى يجريها المختصون بناءً على بيانات حقيقية ومنطقية. أما المزايا والمنافع المنتظرة للمشروع فعديدة، نوجز منها ما يلي:

- الحد من التعدي على الأراضي الزراعية داخل وادي النيل من قِبَل القطاع الخاص والحكومي معاً.

- فتح مجالات جديدة للعمران بالقرب من أماكن التكدس السكاني.

- إعداد عدة مناطق لاستصلاح الأراضي غرب الدلتا ووادي النيل.

- توفير مئات الآلاف من فرص العمل في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والإعمار.

- تنمية مواقع جديدة للسياحة والاستجمام في الصحراء الغربية بالشريط المتاخم للنيل.

- الإقلال من الزحام في وسائل النقل وتوسيع شبكة الطرق الحالية.

- تأهيل حياة هادئة ومريحة في بيئة نظيفة تسمح للبعض بالإبداع في العمل.

- ربط منطقة توشكى وشرق العوينات وواحات الوادي الجديد بباقي مناطق الدولة.

- خلق فرص جديدة لصغار المستثمرين للكسب من مشاريع في حقول مختلفة.

- مشاركة شريحة واسعة من الشعب في مشاريع التنمية، مما ينمي الشعور بالولاء والانتماء.

- فتح آفاق جديدة للعمل والتمتع بثمار الإنجاز في مشروع وطني من الطراز الأول.

- خلق الأمل لدى شباب مصر، وذلك بتأمين مستقبل أفضل.

وسيلة الإنجاز

مع أن تنفيذ المقترح الحالي قد نُوقِش في محاضرات عديدة بالجامعات والمؤسسات ومع الحكومة المصرية، لكنه يُعرض كمشروع للقطاع الخاص وذلك لأسباب كثيرة. لقد قدر المختصون تكلفة المشروع بحوالي ٢٤ مليار دولار. وهذه القيمة ليست بالكثير في الوقت الحالي لا سيما أنها تؤمن مستقبل شعب بأكمله وتنقذ مصر من الوضع الاقتصادي المُتردي في هذا الوقت بالذات. وربما تمكن المستثمرون من تأمين المبلغ المطلوب لتنفيذ المشروع عبر بيع الأراضي الصالحة للإعمار على جانبي المحاور العرضية في بداية المشروع، ونحن نعلم أن أسعار أراضي البناء تزداد بسرعة خيالية حالياً.

بطلب من السيد الدكتور أحمد نظيف، رئيس الوزراء قامت لجنة وزارية برئاسة فايزة أبو النجا، وزيرة التعاون الدولي بدراسة جميع آفاق المقترح بناء على دراسة مستفيضة بواسطة أهل الخبرة في المهن المختلفة أثناء السنوات الثلاث الماضية. قام بالدراسة خبراء في مراكز الأبحاث والجامعات لكي يتحقق تقييم المقترح جدياً بواسطة أهل الخبرة والمعرفة في جميع المجالات تحت إشراف وزارة التنمية الاقتصادية. في نظري تلزم أيضا مناقشة مثل هذا المشروع الحيوي في البرلمان لكي يمكن سن القوانين واتخاذ الإجراءات التي تحمي الناس من الروتين الحكومي أو استغلال بعض العاملين في القطاع الخاص.

ويا حبذا لو بدأ التفكير منذ لحظة الانطلاق بمشاركة أوسع شريحة ممكنة من الناس، فيمكن لكل محافظة مثلا البدء في إعداد قائمة بمشاريع التنمية وأولوياتها بناءً على احتياجاتها الحقيقية وفي ضوء مواردها من العمالة الفنية اللازمة وقدراتها الأخرى، وفي نفس الوقت يجب عدم السماح باستقطاب عمالة أجنبية للعمل في المشروع مهما كانت الأسباب، لأن المصري أو المصرية يمكن تدريبهما للقيام بأي عمل كان وبأعلى مستويات الأداء العالمية.

وكذلك يمكن تشجيع شباب الجامعات من خلال مسابقات لاختيار مشاريع تنمية تُقام في محافظاتهم. حتى طلبة المدارس يمكنهم المشاركة بمسابقات لاختيار أسماء الطرق العرضية والمدن والقري التي سوف تنشأ على جوانبها. مشاركة الشباب مهمة للغاية لأن الهدف من المشروع هو تأمين مستقبلهم عبر إتاحة فرص عمل لا نهائية أمامهم.

معنى ذلك أن الباب مفتوح على مصراعيه لمشاركة من يود أن يدلو بدلوه، على شرط أن تكون الأفكار المقدمة ليس الغرض منها هو الكسب الشخصي الضيق والمحدود، ولكنها تصب أولاً وأخيراً في الصالح العام. وهكذا تتقدم الدول ويعمل الناس بعزم ونشاط وولاء وانتماء وتزدهر الحياة مرة أخرى في وادي النيل الخالد.

خاتمة

في عرض سابق لفكرة المشروع ذكرت أن حفيدتي ياسمين (وعمرها ١٠ سنوات) عادت من مدرستها في واشنطن لتخبر أمها أن المُدرِسة ذكرت اسم مصر في أول درس من دروس التاريخ، وأضافت أن المُدرِسة قالت إن التاريخ يعيد نفسه، وسألت أمها هل هذا صحيح؟ فعندما أجابتها الأم بالإيجاب سألت بحماس شديد: هل هذا يعني أن مصر يمكن أن تعود عظيمة مرة أخرى؟

الإجابة على سؤال هذه الصغيرة، التي تعيش بعيداً ولكنها تحتفظ بذكرى مصر في قلبها وعقلها، تستدعي التفكير الثاقب والعمل الدؤوب في سبيل رفعة هذا البلد الذي يستحق موقعاً متقدماً بين الأمم. فمصر كانت على مدى العصور منبعاً للحضارة والفكر والعلم والثقافة والفن والبناء وحسن الأداء، ولكن بين آونة وأخرى تخبو فيها شعلة الحضارة وينطوي شعب مصر على نفسه وكأنه في غيبوبة لا يعي بما يدور حوله في العالم، ولكن سرعان ما يفيق هذا الشعب العظيم من الغثيان وينتفض بكل حيوية ونشاط لكي تتوهج شعلة الحضارة مرة أخرى في أرض مصر.

ويمكنني القول إن العرب في كل مكان ينتظرون رفعة مصر لأن في ذلك رفعتهم جميعاً. ولم تكن للعرب مكانة في أي وقت من الزمان إلا في وجود مصر القوية كالعمود الفقري الذي تلتف حوله البلدان العربية جميعاً.

لن تعود مصر دولة عظيمة مرة أخرى إلا إذا تحسنت أوضاعنا الحالية. وبناءً على مزايا ومنافع وهذا المشروع يمكنه أن يوصل مصر إلى الغرض المنشود خلال عقد أو عقدين من الزمان على الأكثر، كما أن من شأنه أن يُخرِج مصر من الوضع الحالي بمآسيه المختلفة، لذلك فإنني مقتنع تماماً بأن المشروع المقترح يمكن أن يعيد الحيوية والإنتاجية لشعب مصر ويؤهل هذا البلد الطيب المعطاء للوصول إلى موقع متميز بين أعظم بلدان العالم مرة أخرى.